لهذه الأسباب انهارت الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية أمام الإسلاميين !
ليست هذه المقالة رداً أو تعقيباً على أي موضوع سابق، بل هي محاولة لتقديم نظرة تحليلية بشيء من العمق حول هزيمة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية والعربية أمام التيار الإسلاموي السلفي الذي أغرق شعوبنا في خطاب ماضوي متجذر في كتب التراث، بحسبان هذا الماضي كان جميلاً زاهياً لدرجة أنه مكن الأمة العربية والإسلامية من تكوين إمبراطورية تربعت على عرش الكوكب لعدة قرون، وأنه لكي نعيد أمجادنا ونعيد احتلال بلاد العالم من حولنا ونحضر السبايا الشقراوات من روما، فإنه ينبغي لنا العودة إلى تقليد السلف " الصالح " بما في ذلك لباسهم وتحيتهم وفهمهم لنصوص الدين وشؤون الحياة !
الحكومات العربية التي حكمت البلاد بعد التحرر الشكلاني من الاستعمار الأوروبي، لم تكن ثورات ذات بعد اجتماعي تحرري، إذ لا معنى لأي تحرر سياسي أو اقتصادي إن لم يرتكز بالأساس على بناء وتطوير منظومة قيم وأخلاق حداثية، وهنا لا يمكن إنكار بروز العديد من مفكري عصر النهضة العرب في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، مثل الكواكبي الذي كتب " طبائع الاستبداد " وكذلك اجتهادات محمد عبده والأفغاني وسلامة موسى، ولاحقاً قاسم أمين الذي كتب لتحرير المرأة من جذور التخلف ورواسب عصر الإقطاع، وأخيراً طه حسين الذي شكك في الشعر الجاهلي كمقدمة لإخضاع التراث بمجمله للدراسة والنقد.
على أنه وبعد زوال نظام الخلافة الإسلامية من التاريخ عام 1923 على يد التركي كمال أتاتورك، لم يعني ذلك زوال العقيدة الدينية، فظلت طقوس الزواج والطلاق وأحكام المواريث وباقي الأحوال الشخصية خاضعة للشريعة الإسلامية، ما يعني أن فكرة الحفاظ على الدين من خلال دولة خلافة هي فكرة باطلة. وهنا أشير إلى مدى الخطورة التي شكلها اكتشاف النفط في الجزيرة العربية على الفكر العربي، فقد أنشأت بريطانيا جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 كرد على ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917 باعتبار أن " الإسلام هو الحل " لمجابهة الأفكار الثورية الوافدة، ومع ازدياد حاجة حكام الخليج إلى فكر يبرر الاستبداد والفساد ويرفض الديمقراطية والمحاسبة، تم تمويل حركة الإخوان لتصبح تنظيماً دولياً تقدر ميزانيته بالمليارات، والحق يقال، أن تحالف أنظمة النفط مع الإخوان مع قوى الرأسمال العالمي قد نجح في إغلاق وحصار العقل العربي وتحصينه من عدوى التفكير الناقد والإبداعي، فتم ترسيخ ثقافة قبول الأمر الواقع كما هو مهما كان مهيناً ومذلاً، وتمت هزيمة حركة التنوير العربية شر هزيمة، ولهذا شاهدنا أن المجتمعات العربية التي خيل إلينا أنها تبحث عن التحرر والديمقراطية، تعود للماضي لتتصاعد دعوات تطبيق الشريعة. ولما لم تنجز حكومات سايكس بيكو أي مهام لتحرير العقل العربي من رواسب التخلف، فقد ارتد حزب البعث العراقي إلى تنظيم القاعدة الإرهابي والبعث السوري إلى داعش والنصرة، والناصريين في مصر إلى الإخوان المسلمين. لقد دفعنا جميعاً ثمن غياب التنوير وثمن الحضور الكثيف للتراث في العقل الجمعي، وما عودة عرب أوروبا إلى الدعشنة ورفضهم مبدأ الاندماج في المجتمعات التي احتضنتهم إلا امتداد طبيعي للكتب السعودية الوهابية التي توزع مجاناً بملايين النسخ على مسلمي العالم.
فلسطينياً، حدث مع منظمة التحرير وفصائلها نفس ما حدث مع الأنظمة القومية، فتلك الفصائل لم تنشر مفهوم الدولة الحديثة بعد تشكل السلطة عام 1994، وحافظ الزعيم الراحل عرفات على وزارة الأوقاف، وقام بدعم حركة حماس في الانتفاضة الثانية، ولهذا شاهدنا أغلبية أعضاء فتح ينتخبون حماس في 2006 بضمنهم قوات الأمن الوطني والشرطة الذين اعتقدوا أن حماس سوف تطبق مباديء الإسلام والنزاهة بشكل أفضل مما فعلت فتح !
وللأسباب ذاتها فاز الإخوان في الانتخابات المصرية، وفازت جبهة الإنقاذ الإسلامي في التسعينات على جبهة التحرير .. لا وجود لأي خطاب تنويري يوضح للناس أن الدولة العلمانية الحديثة ومباديء الديمقراطية والشفافية والمحاسبة وحقوق الإنسان، هي البديل الحقيقي لعصابات الفساد والاستبداد. أمس تمكنت شرطة الجمارك الأمريكية من مصادرة 4 علب من السيجار الكوبي الفاخر التي حاول الرئيس أوباما تهريبها في حقيبته إلى الولايات المتحدة، لكي نعيد ونصرخ بمقولة إدوارد سعيد، أننا " فشلنا كعرب في إنتاج نخبة ثقافية تنذر نفسها للمباديء والقيم والمثل العليا والأخلاق "، فبدا تاريخنا الدموي والفاشي الذي حاول طه حسين وآخرون إخضاعه للنقد، وكأنه حلم جميل في صحراء التيه والضياع.
ليست المشكلة في برامج الحركات الأصولية الماضوية، بل كل المشكلة تكمن في مناهج التجهيل التي تفرضها الحكومات العربية على الأطفال، فتسلبهم حق التفكير الحر والمستقل، ذلك لكي يتسنى لها تطويع الجهلاء وإقناعهم بالرضا بالفقر والذل والاضطهاد. على الحركات الوطنية والتقدمية، المساهمة في نشر الفكر التنويري، وممارسة الضغط على السلطات الحاكمة من أجل التقليل من الجرعة الدينية في مناهج الطلبة وأنشطة المدارس، ذلك أن السلطات الحاكمة تستخدم الدين بشكل نفعي، والنتيجة هي نشوء أجيال بكاملها لا تحترم العلم ولا تؤمن بنتائجه، وتميل إلى تصديق الخرافات والهلوسات والدروشات. الحق في معلومات صحيحة هو حق أصيل من حقوق الإنسان لا يجب التفريط فيه، وعلينا عمل ما يلزم لكي نعيد السلطة للعقل والتفكير الحر، فالعالم اليوم هو عالم المنافسة والإبداع والابتكار والإنتاج، لا مكان فيه للجهلاء والكسالى والدراويش !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق