السبت، 22 أبريل 2017

لماذا تقدم المسلمون في العصر العباسي الأول ؟!


ليست وظيفة الفكر أن يلعن الشر الكامن في الموجودات، بل وظيفة الفكر أن يستشعر الخطر الكامن في كل ما هو مألوف وأن يجعل من كل ما هو راسخ موضع إشكال – ميشيل فوكو
---------------------------------
من نافل القول أن الأمة المسلمة قد توقفت عن مشاركة الأمم الأخرى في الإبداع والإنتاج والتطوير وباتت تعاني من أمية هجائية منتشرة بصورة مرعبة وأمية ثقافية لا تقل سوءا. المسلمون يسبون الحضارة الغربية ليلاً نهاراً ولكنهم يعتاشون على ما تنتجه الأمم الغربية بدءا من معجون الأسنان وليس انتهاءا بالسيارات والطائرات وأفلام البورنو وشطائر الهامبورجر وحليب الأطفال، وعندما يواجههم مثقف عاقل بالحقيقة يتباهون بالعلم الذي تقدم وتطور في العصر العباسي الأول بحسبانه من إنجاز المسلمين، وإذا كان المسلم سلفياً ممن فقدوا عقولهم لفرط التشدد يتهمك فوراً باللواط والشذوذ أو بالعمالة للصهيونية والماسونية !!
التخلف حقيقة دامغة يجب على المسلمين الاعتراف بها، فهم ولحد الآن لم يستطيعوا تكوين دولة واحدة حديثة يتم تداول السلطة بها سلمياً أو أن بها فصل للسلطات الثلاث أو أن بها حرية صحافة، فالحاكم بأمر الله ما زال يعين الجهاز القضائي ويزور الانتخابات للجهاز التشريعي وبالتالي يضع الدولة كلها في جيبه الخاص وجيب عائلته وبعض زباينته ويتركون الشعب فريسة للفقر المدقع والمرض والجهل، مع تدهور شبه تام في خدمات التعليم والصحة والضمان الاجتماعي ومستحقات الشيخوخة.
لدى الشعوب المسلمة ( ناهيكم عن الحكام ) لا وجود لحرية التفكير ولا حرية التعبير التي تكفلها وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ثم هم يبحثون في سياق آخر عن حقوق الإنسان وبصورة انفصامية، فهم ضد حقوق الإنسان إذا تعلقت بحرية التفكير والاعتقاد التي تمس التابوهات المقدسة، ولكنهم يتساءلون عن حقوق الإنسان إذا ما قصفهم القذافي والأسد بالصواريخ والمدفعية الثقيلة !
حتى الحقبة اليتيمة التي أنتج المسلمون فيها علومهم تم التعتيم عليها بشدة من قبل المذهب السلفي الوهابي المدعوم بالدولارات النفطية، فما عدنا نسمع عن المعتزلة وطرحهم لقضية خلق القرآن وما عدنا نقرأ تجليات أبو حيان التوحيدي أو عمر الخيام أو ابن الرواندي أو الحلاج. لم يتقدم العلم في عهد هارون الرشيد وولده المأمون إلا بعيداً عن رجال الدين بل ورغم أنوفهم وليس للإسلام كدين أي فضل في تطور العلوم. لماذا يحرمون الأجيال من حرية التفكير وحرية الاطلاع على خصائص وسمات عصر تقدم العلوم في الفترة العباسية الأولى ؟
لقد ناقش علماء وجهابذة التفكير في العصر العباسي الأول مسائل كثيرة باتت اليوم تابوهات مقدسة محظورة لا يمكن الحديث فيها، فقد ناقشوا خلق القرآن ومفهوم القضاء والقدر بل لقد ناقشوا ماهية الذات الإلهية وهل وجودها يمثل حقيقة أم استمرار لأساطير الأولين.
ليأذن لي القاريء العزيز بأن آخذ بعضاً من وقته لاستعراض بعضاً مما قاله علماء عصر التقدم الذهبي لنرى كم حجب السلفيون وكم كذبوا وكم ضللوا الناس في دعاواهم بالعودة إلى الماضي حيث لا حاضر ولا مستقبل.

أبو حيان التوحيدي ( من علماء البلاغة والمنطق والفلسفة ):

سئل أبو حيان يوماً عن وجود الله فأورد البرهان المنطقي التالي:

الله شيء أو لا شيء
الشيء يمكن قياسه ( كتلة، حجم، كثافة )
الله لا يمكن قياسه
إذن الله لا شيء !!

ابن الرواندي كتب يسخر من نزول الملائكة في معركة بدر فقال: " لو صح نزول الملائكة في معركة بدر لكان هؤلاء الملائكة قليلو البطش فإنهم على اجتماع أيديهم وأيدي المسلمين لم يقتلوا من قريش سوى سبعين رجلاً " !!

العلامة أبو بكر الرازي: وهو من كبار العلماء، ورد أنه كان يعزف العود ويعاقر الخمر وأنه لم يؤمن طوال حياته بوجود مخلوقات وكائنات غير مرئية !!

أبو العلاء المعرّي كان يلقب بشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء: 
ورد عنه أشعار كثيرة اتهم على إثرها بالزندقة والإحاد منها قوله:

في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والــــمسيحُ

هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يــــــــــــصيحُ

كلٌ يعظِّم دنيه يا ليت شعري ما الصحيحُ ؟

عمر الخيام كان أحد جهابذة علوم الفلك والرياضيات، ومن مساهماته العلمية أنه قام بتقديم حلول لمعادلات الدرجة الثالثة والرابعة حتى أن الطرق التي استخدمها لحل تلك المعادلات ما زال تدرس حتى الآن في أعرق جامعات العالم. مما قاله الخيام الرباعية التالية:

لو كنت كالله لي يدٌ في حركة الأفلاك
لمحوت ما للفلك من آثار
وخلقت أفلاكاً تدور مكانها
وتسير حسب مشيئة الأحرار

------------------------------------------
حتى مبدأ الشك في آيات القرآن موجود في القرآن نفسه. تأمل الآية التالية:
( َفإِنْ ُ كنْت فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلَنا إِليْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ اْلكِتابَ مِنْ َقبْلِكَ َلَقدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ َفَلا تَكُونَنَّ مِنَ اْلمُمْترِينَ ) يونس ٩٤
الخطاب موجه من الله مباشرة إلى النبي محمد قائلاً له: إن كنت في شك يا محمد فيما أنزلنا إليك من الآيات فاذهب واسأل الذين يقرأون التوراة، فكيف يكون أصحاب التوراة هم مرجع البرهان ؟ وهل أن التوراة " المحرفة " أصبحت دليلاً على صدق ما أنزل الله على النبي محمد ؟!
----------------------------------------

للمزيد عن تاريخ الملحدين في التراث:
http://www.rclub.ws/?p=2379

الدراسات النقدية لجميع الأديان باتت علماً في جميع جامعات العالم المتقدم، ومنذ الثورة الصناعية وترسيخ مباديء الثورة الفرنسية انطلق العقل العلماني الحر لكي يؤكد ضرورة إقصاء الدين عن الدولة والسياسة، ومن قبل أن نتفاخر بالعلوم التي أسهمت في تقدم الغرب يتوجب علينا دراسة المناخ الاجتماعي الذي مكن العلماء من الإبداع حيث حرية التفكير وحرية التعبير. 
ولكن الفاجعة السوداء هي أن معظم الناس سعداء بالتخلف والفقر المعرفي ثم يتباكون ويصرخون من تداعيات الفقر غير متنبهين أن أساس الفقر هو الفقر المعرفي أساساً، وأنه لا سبيل لردم الفجوة المعرفية والعلمية مع الدول المتقدمة إلا بإطلاق الحريات الخاصة والعامة وكذلك بتقليل الجرعة الدينية في المناهج المدرسية والجامعية وفي وسائل الإعلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

في الأول من أيار: الحركة العمالية والربيع العربي

من المهم الإشارة إلى أن الديكتاتوريات العربية كانت وما زالت تخشى التنظيمات النقابية والمنظمات العمالية فتعمل جاهدة على السيطرة عليها بالأج...